تأرجح تركيا بين الانقلاب والديكتاتورية

تًعتبر القوات المسلحة التركية من اقوى الجهات الفاعلة السياسية والاكثر أهمية في المرحلة الاخيرة من

عهد الامبراطورية العثمانية وتأسيس النظام الجمهوري في تركيا. ولعل الخلفية في هذا التكوين السياسي

القوي يستند الى الفئة العسكرية وعلى رأسهم مصطفى كمال باشا الذين كان لهم الدور الرئيسي في

تأسيس النظام الجمهوري .

ولكن العوامل الرئيسية التي لعبت في استمرارية هذه القوة كانت تتطور بدعم البرجوازية التي تدعمها

المرافق الحكومية ليتم تسويقها في اطار البيروقراطية الرأسمالية , وعلاوة على ذلك فان هذا التطور

اعتمد ايضا على الدعم الخارجي ولكي يتم انشاء الطغمة المالية فقد تضافرت مع منظومة الاحتكارية

الرأسمالية و البيروقراطية العالمية .

ان مؤسسة أوياك ( OYAK ) التي انشأتها القوات المسلحة التركية تعتبر واحدة بين اكبر عشرة

مؤسسات احتكارية في البلاد, ( فقد بلغت الايرادات فيها خلال عام 2015 الى 23 مليار ليرة تركية ما

يقارب 10 مليار دولار أمريكي ) وهذا امرا كافيا ليوضح العلاقة ما بين البيروقراطية والرأسمالية

العسكرية . وفضلا عن حيازة الجيش على الاستقلال المالي والاداري ( خارج الرقابة الرسمية ) فقد

حاز الجيش التركي ايضا على الصلاحيات في الاستيلاء على ادارة شؤون الدولة وبالتالي يحتفظ

بدرجة كبيرة من التأثير على السياسة التركية وعملية صنع القرار فيها معللا ذلك ” بالحفاظ على الامن

العام ضد الاخطار الداخلية والخارجية المحدقة بالبلاد”.

لقد تم تنفيذ الانقلابات العسكرية وفق مصالح الرأسمالية العالمية واطماع الامبريالية الامريكية . ولعل

اهم الانقلابات العسكرية التي تمت في 12 سبتمبر _ ايلول 1980 جاءت لتسحق تصاعد النضال

الشعبي في سياق التحولات الليبيرالية التي تم اتخاذها في 24 يناير _ كانون الثاني 1980 . فدولة

تركيا الرأسمالية المرتبطة كعضو من اعضاء الدول الرأسمالية المتقدمة في الناتو (منظمة حلف

الشمال الاطلسي ) مثل المانيا وانكلترا والولايات المتحدة الامريكية لديها ثاني اقوى جيش بعد الجيش

الامريكي. ولذلك وعلى الرغم من ادعاءات اردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية “بإنهاء الوصاية

العسكرية ” فقد شهدت الساحة التركية مسرحا لانقلاب عسكري جديد في 15 يوليو _ تموز 2016 .

ربما يكون الانقلاب قائم على تشكيل اسس النظام او اتخاذ ” النضال ضد الانقلاب ” ذريعة على

اساس انشاء نظام ديكتاتوري مقرر تطبيقه لاحقا في سياسة ادارة الدولة , فان التنفيذ او القيام

بالمحاولات في الانقلابات العسكرية مازالت تشكل تهديدا وخطرا على البلاد.

الامر الذي يثير الانتباه في محاولة انقلاب 15 يوليو كان نتيجة للصراع بين القوى البرجوازية

والاسلامية المحافظة التي تعززت بعد انقلاب 1980 لتصل الى السلطة في ادارة امور الدولة في اوائل

عام 2000. ولكي نفهم النقرات الثنائية والصراعات بين الزعيم الروحاني فتح الله غولن الذي يقيم في

الولايات المتحدة الامريكية منذ فترة طويلة وبين رئيس الجمهورية التركي اردوغان ينبغي علينا اعادة

النظر الى المراحل السابقة وتحليل السبل العاملة في كيفية وصول او ايصال هذه الزمرة الى السلطة .

2

في اعقاب انقلاب 1980 ومع قدوم سنوات التحول الليبيرالي , شهدت الساحة تعزيزات في البيئة

الرأسمالية ضمن سياق التعاون المشترك بين الدول الخليجية (قطر، الإمارات العربية المتحدة، المملكة

العربية السعودية) والرأسمالية الاسلامية . ولكن وفي اوائل عام 2000 ومع وصول او ايصال القوى

الاسلامية المحافظة الى السلطة كان النهج السياسي الجديد للإمبريالية الامريكية وكذلك الاحتكارات

الامبريالية ازاء منطقة الشرق الأوسط عامل اساسيا في انشاء الظروف الملائمة لتعزيز هذه السلطة

ودعم تنميتها , ففي اعقاب انهيار الكتلة الشرقية وانقسام الاتحاد السوفيتي اعتمدت الولايات المتحدة على

تغيير استراتيجيتها في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

وعلى الرغم من الالغاز العديدة التي تكمن على خلفيات تفجير 11 سبتمبر _ ايلول غير ان الولايات

المتحدة الامريكية تذرعت بهذه الاحداث وقامت بتمويل المنظمات الارهابية الاسلامية المتطرفة في

افغانستان ولاسيما تنظيم القاعدة ضد السوفييت لتشكل هذه التنظيمات تهديدا جديدا في العالم. كان لابد

من القضاء على هذا التهديد الجديد لإيصال القوى الاسلامية الليبيرالية المتعاونة مع الادارة الامريكية

تحت مسمى ” الاسلاميين المعتدلين ” الى السلطة , وبغية إعادة صياغة التصميم في المنطقة فقد تم

انشاء مشروع الشرق الاوسط وشمال افريقيا الكبير والموسع.

عام 1950 حين شعرت الدول المجاورة للاتحاد السوفييتي ” بالخطر الشيوعي ” قامت بدعم انشاء

مشروع الحزام الاخضر . في هذا السياق تم اخراج القوى الاسلامية والبرجوازية الرجعية في تركيا

من موضع القوى الاحتياطية لتدخل في مرحلة الصعود الى السلطة وسدة الحكم متخذة النهج السياسي

المشترك مع السياسة الإمبريالية الامريكية. وقد اوضح غراهام فولر المسؤول لشؤون الشرق الأدنى

وجنوب آسيا في مجلس الاستخبارات القومي في وكالة الاستخبارات الأميركية في كتابه عن توقعاته

لمستقبل الاسلام السياسي في المنطقة . في هذه المرحلة اتبعت الادارة الامريكية سياسة الدعم للقوى

الاسلامية الاصلاحية مثل فتح الله غولن , ورئيس بلدية استانبول رجب طيب اردوغان الذي اسس

لاحقا حزب العدالة والتنمية في سياق ” النهج الاسلامي المعتدل “. في هذه المرحلة تم اتباع

استراتيجية بناء كوادر تتولى إدارة مناصب هامة في الدولة وساهم غولن في دعم هذه الكوادر ليبرز

اردوغان ” زعيماً من المجتمع ” ويفوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002 . وبالرغم من تخلي

اردوغان لاحقا عن مزاعم شراكته في مشروع الشرق الاوسط الكبير الا انه كان قد تقلدّ هذا المهام لغاية

2004 _ 2005 اباّن توليه رئاسة الوزراء. وفي الواقع فأن القوة الداعمة في وصوله الى السلطة

معروفة .

ان الدعم الامريكي والرأسمالية العالمية للقوى الاسلامية الليبرالية المحافظة الجديدة في تركيا , ادى الى

ظهور ردود افعال من قبل القوى البرجوازية التقليدية في الجيش وبعض القطاعات البيروقراطية وبذلك

انحازت هذه القوى الى تطوير ردود الافعال هذه الى اتخاذ موقف محاذي لمنظومة اوراسيا( التوافق

الروسي الصيني ضد الولايات المتحدة الامريكية ) . ولكن ومن اجل استيلاء البرجوازية الاسلامية

المحافظة المدعومة من الادارة الامريكية على السلطة كان ينبغي ان يتم تصفية القوى البرجوازية

القومية الاوراسيوية في اطار عملية ” ارجينكون ” . وعلى هذا الاساس فقد بدأت حكومة حزب العدالة

والتنمية ( وجماعة غولن ) بالدخول في مرحلة محاكمة وتصفية ” الارجنيكونجيين ” في اطار اعاقة

محاولات الانقلابات في البلاد . في هذا السياق كانت الكوادر ( من جماعة غولن ) التي تم توظيفها في

مؤسسات الامن العام والقضاء تلعب دورا رئيسيا في هذا المهام. في هذه الفترة رفضت الحكومة

المطالبات في محاكمة قسما من الضباط ” الارجينكونجيين ” الذين شاركوا في محاربة الاكراد

3

والمتمردين في اوائل التسعينات , فقد تم محاكمة الارجنكونجيين على اساس اتهامهم في الاستعداد

للانقلاب فقط . وهكذا فحين كان الليبيراليين اليساريين و اليمينيين يصفقون للحكومة , كانت الصورة

الجلية تشير الى ان الحكومة لا تعمل باسم الديمقراطية وانما تهدف الى تعزيز سلطتها بإزالة العوائق

في طريقها .

شهدت المرحلة تطورات هامة اخرى , فقد تم تصفية الممثلين السياسيين للحركة الوطنية الكردية

والمنتخَبين كرؤساء البلديات تحت اسم عملية القضاء على حزب العمال الكردستاني و ذراعه ” اتحاد

المجتمعات الكردستانية ” . في هذه الاثناء كان التدخل العسكري الامريكي في العراق 2003 كان

يهدف الى استخدام هذا التدخل كنقطة انطلاق للتدخل ايضا في شؤون دول اخرى ولا سيما سورية

وايران , ولكن و بغض النظر عن فشل الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل في الدول الاخرى يمكننا

القول ان امريكا انجرفت في مستنقع العراق 2005 _ 2006 وكان انسحابها من العراق مثيراً للجدل .

ولكن خلال الانسحاب الامريكي من العراق فقد اكتشفت ان تركيا هي القوة الاقليمية التي تستطيع من

خلالها انتشال الكستناء عن النار. ولكن كان الواقع التركي الذي يصارع حزب العمال الكردستاني

المنبثق عن الحركة القومية الكردية ولاسيما وان حزب العمال الكردستاني بقواتها العسكرية والمسلحة

تتمركز في منطقة عبور الطاقة ( النفط والغاز الطبيعي ) في شمال العراق (حدود إدارة إقليم كردستان

العراقية ) تشكل تهديدا مباشرا لها , فمن ناحية اتخذت بعض الخطوات الرمزية في بث قناة تلفزيوني

باللغة الكردية في حين مارست سياسة التصدي لمبادرات الحركة الكردية وقامت بتصفيات وتنفيذ

عمليات ضد الاكراد .

التحالف بين اردوغان وغولن لم يقتصر على القيام بعمليات تصفية المعارضين او المنافسين السياسيين

وانما تم اتخاذ خطوات سريعة في التحول الليبيرالي على الصعيد الاقتصادي لم يشهده تاريخ البلاد في

اية فترة من الفترات حتى عقب الانقلاب العسكري عام 1980 . فقد كانت عدد المؤسسات العامة التي

تم خصخصتها ما بين عامي 1993 _ 2003 ,56 مؤسسة , في حين ارتفع هذا الرقم بعد وصول

حزب العدالة والتنمية الى سدة الحكم ليصل بين عامي 2003_ 2013 الى 124 مؤسسة , فقد تم

خصخصة اكبر واهم المؤسسات العامة في مجال الاتصالات ومصافي البتروكيمياويات الى الاحتكار

خلال هذه الفترة ايضا .وقد كانت عائدات الخصخصة خلال 28 سنة اي بين عامي 1985 و 2013,

49 مليار دولار , تحققت قيمة هذه العائدات الاجمالية في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية الى 41

مليار دولار وهذا الرقم يظهر اعتماد هذه الحكومة على احتكارات الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد

الاوربي على المدى الطويل .

خلال هذه الفترة تم خصخصة جميع الخدمات العامة ولاسيما في مجال التعليم والرعاية الصحية .

علاوة على ذلك فقد تم اتاحة الظروف لإعاقة الطبقة العاملة والكادحين من التمتع بحقوق الضمان

الاجتماعي والعملي في سياق توفير شروط جامحة في استغلال التصنيع تحت شعار التنمية . واعتمادا

على هذه السياسات فلم يشهد البلاد ازديادا لواقعات حوادث العمل مثلما شهده في عهد حكومة

حزب العدالة والتنمية . فقد تجاوز عدد الضحايا من العمال غير المسجلين او الحائزين على ضمانات

الامان والسلامة في اطار حوادث العمل ابان عهد حكومة حزب العدالة والتنمية ( 2003 _ 2016 )

17000 عامل . وقد ساندت حكومة حزب العدالة والتنمية ارباب العمل عقب مجزرة عمال منجم

المعادن في منطقة سوما في مايو _ ايار 2014 والذي لقي فيها 301 عامل حتفه متغاضيا ان

4

المجزرة كانت نتيجة لوحشية الاستغلال في اطار ظروف سيئة وعلل ذلك على ان بيئة هذا العمل بحد

ذاته خطير .

وهكذا فقد تنامى رأسمال محيط غولن وحزب العدالة والتنمية بسرعة فائقة حتى ان ارباب العمل

هؤلاء الذين حازوا على رأسمال ضخم شكلوا منظمة بديلة لمنظمة توسياد (TÜSİAD ) اكبر

منظمة لرجال الاعمال في تركيا التي تلقت مناقصات واعتمادات الدولة مستفيدة من الانفاق الحكومي من

الدخل القومي اذ ان ثلث الدخل القومي في ( 2015 قارب ما بين 250_ 260 مليار دولار ) وهكذا

لعبت الحكومة دورا هاما لعبت دورا هاما في النمو السريع لهذه البيئة.

من هنا وبعد ان تم ممارسة سياسة استبعاد المعارضين السياسيين من هذا الدعم الرأسمالي فقد بدأ

الصراع بين هاتين القوتين الإسلاميتين المحافظتين المتحالفتين على السلطة بصورة جلية . ولعل كان

الصراع الرئيسي الاول عندما تم اخراج تنظيم المخابرات الوحيد عام 2007 بتوكليها في ممارسة

القوة التنفيذية في السياسة الخارجية ضمن اطار ( منظمة الاستخبارات الوطنية) ففي فبراير _ شباط

2012 استخدمت جماعة غولن اعضائها في السلطة القضائية لاستجواب مستشار منظمة الاستخبارات

الوطنية هاكان فيدان على خلفية المفاوضات التي اجراها مع قيادات حزب العمال الكردستاني (PKK)

في مدينة اوسلو عاصمة النروج . بهذه العملية , قام اعضاء جماعة غولن بإرسال مساعدات اسلامية

باسم منظمة للمعونات الى غزة بالرغم من الحصار الاسرائيلي المفروض عليها وبذلك وضعت النقطة

التي قطعت اواصر العلاقات السياسية الاسرائيلية _ التركية , وعدا عن ذلك وبالرغم من الحصار

المفروض على ايران فقد قامت جماعة غولن بخرقه وذلك بتطوير العلاقات التجارية مع ايران ( متابعة

مقاضاة المقاول الاذربيجاني من اصل ايراني رضا زراب في الولايات المتحدة الامريكية ) وحين

كانت جماعة غولن تخطط بذلك لإلقاء القبض على مستشار منظمة الاستخبارات الوطنية والاستيلاء

على المنظمة تم اخفاق هذه المبادرة بتدخل اروغان وافشال المخطط . عقب ذلك , بدأ اردوغان في

اجراء حملة اغلاق مدارس غولن الخاصة, اذ ان مجال التعليم يعتبر من اقوى مجالات غولن . لم

يتأخر غولن في الرد على ممارسات اردوغان هذه فنشر فضائح تورط اردوغان وحكومته في قضايا

الفساد والرشاوى عبر تسجيلات صوتية . بعد ذلك تم تنفيذ عملية القضاء على بعض العناصر في قوات

الامن والقضاء بتهمة الفساد بتاريخ 17 _ 25 يناير _ كانون الثاني 2013 كانت هذه العملية حملة

اردوغان لتصفية اجهزة الامن والقضاء من عناصر جماعة غولن . على غرار هذه العمليات وبعد

مرور 11 سنة من الشراكة في السلطة بين اردوغان وغولن فقد اتهمت حكومة اردوغان _ حزب

العدالة والتنمية جماعة غولن بإنشائها لهيكلية الدولة الموازية ( الكيان الموازي ) ونعتتها بمنظمة

ارهابية مسلحة .

تطور الصراع بين اردوغان وغولن , ومسرحية محاولة الانقلاب كانت الضربة القوية التي انعكست

على التطورات في الشرق الاوسط وبالتالي كان لها التأثير الهام على السياسة الخارجية لحزب

العدالة والتنمية في المنطقة . في اعقاب الفترة الاولى من محاولة التدخل السياسي الاردوغاني

والامبريالي الغربي والامريكي في الازمة السورية كان المقص السياسي المفتوح يسهل من مبادرات

جماعة غولن ضد اردوغان . فقد اتخذ غولن الدعم الامريكي والغربي لمبادراته ضد اردوغان قاعدة

للاستيلاء على السلطة في تركيا .

5

وكما هو معروف فقد بدأت الانتفاضات الشعبية في الفترة ما بين اواخر عام 2010 واوائل 2011 ,

فاندلعت الاحتجاجات في تونس لتمتد الى مصر ولم تقتصر هذه الانتفاضات بالإطاحة بالطغاة وانما

استشرى لهيبها الى بقية الدول العربية الاخرى. في هذه الاثناء قامت القوى الغربية بانتهاز المطالب

الشعبية للخبز والعيش الحر الكريم وبادرت الى اتخاذ الاجراءات في اعادة التصميم السياسي في المنطقة

بما يتماشى مع مصالحها. فكانت الخطوة الاولى هو الاطاحة بنظام القذافي في ليبيا في اكتوبر _ تشرين

الاول 2011 مستعينة بالقوات التي تقودها منظمة الحلف الاطلسي . بعد التدخل العسكري في ليبيا

بدأت مرحلة التدخل في سورية . فقد كانت القوى الامبريالية الغربية والامريكية تهدف الى الاطاحة

بنظام الاسد الذي سيؤدي الى انهيار وحل التحالف في اطار ” محور المقاومة ” المعادية لها كإيران

وسورية وحزب الله و حماس المدعومة من روسيا و الصين . هكذا نرى الهدف الإمبريالي المنشود في

فرض الحصار على حزب الله الحارس المقاوم على الحدود الاسرائيلية و بالتالي استهداف ايران . في

هذه الاثناء توجهت البرجوازية التركية الكبيرة في السياسة التوسعية مستعينة بمصطلحات حديثة ”

العثمانية الجديدة ” وانجرّت حكومة حزب العدالة والتنمية الاردوغانية خلف احلام استعادة المجد

العثماني من جديد واستلام الزعامة في البلدان الاسلامية فكانت تركيا من اولى القوى التي بادرت

بالتدخل في الازمة السورية . في البداية كانت القوى الامبريالية ولاسيما فرنسا والولايات المتحدة

الامريكية من اكبر المؤيدين للمبادرة التركية والداعمة لدورها ” القيادي الاقليمي ” . هذه السياسة

المتبعة من قبل حزب العدالة والتنمية وشركائه , كانوا من كبرى الدول المنتجة للنفط والغاز الطبيعي

وتعمل على ايصال مواردها الى البحر المتوسط , كذلك فقد كانت السعودية وقطر تهدف سورية التي

تحتل المرتبة الثانية بعد روسيا وايران في احتياطي الغاز الطبيعي عالميا .

ان صراع الهيمنة بين القوى الامريكية والإمبريالية الغربية وبين روسيا والصين على الساحة

السورية , وللحصول على الدعم الشعبي عمدت القوى الامبريالية الى زرع سياسة النزعة الطائفية في

البلدان الاسلامية ذات الاغلبية السنية . وبالتالي فان الصراع السني _ الشيعي استقطب عددا هائلا من

المتشددين الاسلاميين من كافة بقاع العالم للجهاد في سورية , هؤلاء الجهاديون علاوة على دعم تركيا

لهم فقد مهدت ايضا سبل عبورهم الى سورية عبر اراضيها . ولعل الخطابات والفتاوى الطائفية كانت

كفيلة الى تعزيز قوة الفصائل المتطرفة ولاسيما الفصائل المرتبطة بتنظيم القاعدة ضد النظام السوري .

الولايات المتحدة الامريكية دعمت اخوان المسلمين في مصر وعندما ادركت انه لا يمكن الاعتماد

عليهم دعمت انقلاب السيسي العسكري للإطاحة بهم . اما في ليبيا فقد غيرت الادارة الامريكية مسارها

السياسي عقب اغتيال الفصائل المسلحة لسفيرها واتخذت بالتراجع في نهجها السياسي المتبع لأن غوغاء

الفصائل الاسلامية المتشددة بدأت تكتسب القوة تدريجيا , واصبح يشكل خطرا على الوجود الامريكي

في المنطقة وايضا على سلامة وامن اسرائيل بالإضافة الى ان النظام الذي اسسته الادارة الامريكية في

العراق والقائم على السنية المتطرفة كان يقارب الى التلاشي والزوال . وعلى الرغم من التراجع

الامريكي غير ان حكومة اردوغان دعمت احد اذرع تنظيم القاعدة ( النصرة ) في سورية ومن ثم

تعاونت مع تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام للاستيلاء على الموصل بغية دفع الغالبية السنية

فيها الى ممارسة السياسة الاستفزازية ازاء الحكومة المركزية في العراق , وايضا لان حكومة

اردوغان وحلفائها ( المملكة العربية السعودية وقطر ) كانت ترى ان النجاح في الصراع على الهيمنة

الاقليمية مع ايران يرتبط بإسقاط نظام الاسد في سورية عدا عن قلق اردوغان من الكونتانات الكردية

6

التي انشئها الاكراد في الشمال السوري ( روجوفا ) في اطار ادارتهم الذاتية والتي من شأنها عرقلة

السياسة الرجعية التي يتبعها اردوغان في الداخل التركي ازاء القضية الكردية .

حين بدأت السياسات التركية تشكل حجرعثرة امام المخططات الامريكية في المنطقة , بدأ الطرفان في

المواجهات في الفترة الاخيرة من عام 2013 واوائل عام 2014 , في تلك الفترة ايضا كانت تتلاحى

تصعيدات في الصراع بين حكومة اردوغان و جماعة غولن في الداخل التركي . اتخذت الادارة

الامريكية ” استراتيجية مكافحة الارهاب ضد تنظيم الدولة الاسلامية ” موضع التنفيذ في العراق عام

2014 ومن ثم سورية هذه الاستراتيجية اسفرت عن تشكيل عمل مشترك وتعاون ثنائي مع الاكراد

الذين يشكلون قوة هامة . كانت هذه الخطوة كافية لزعزعة السياسة التركية . وليس هذا فحسب وانما

نشئت بعض المستجدات جرفت السياسة التركية الى حافة الانهيار ولاسيما التدخل الروسي في سورية

في سبتمبر _ ايلول 2015 هذا التدخل لم يستهدف تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ( داعش )

فحسب وانما استهدف كافة الفصائل المسلحة بما فيها الفصائل الاسلامية المتطرفة التي تدعمها تركيا .

التدخل الروسي الملحوظ في تعزيز قوة النظام السوري , ادت الى ردود افعال من قبل حكومة اردوغان

فأسقطت الطائرة الروسية على الحدود التركية في نوفمبر _ تشرين الثاني 2015. أملا بإحراز دعم

الحلف الشمال الاطلسي ولكن حلف الناتو اكتفى بتصريح ازاء الحادثة . في هذا السياق انتهزت روسيا

هذه الفرصة وبالإضافة الى قاعدتها البحرية في طرطوس فقد نشرت روسيا أنظمة صواريخ دفاع

مضادة للطيران من نوع “أس-300” أس 400 في اللاذقية وحمص . وهكذا فقد أعاقت روسيا

الخطوات التركية على الساحة السورية , في حين كانت المستجدات الاخرى التي وترّت الحكومة

التركية هي ردود الافعال حول المعسكر التركي ودباباتها على اطراف الموصل لدعم القوى السنية

واضطرارها للانسحاب الفوري . وفي اواخر عام 2015 كان الوضع التركي في المنطقة : فقدانها

لموطئ قدم على حدٍ واسع عقب التدخل الروسي في الساحة السورية , بالإضافة الى اسقاطها للطائرة

الروسية فقد اجبرتها الى مواجهة تحركات عسكرية روسية, كذلك فان الاستقطاب في سورية كان قد

جرف العلاقات التركية الايرانية في مسار عصيبة لفترة طويلة . وتوترت العلاقات بين الحكومة

التركية والعراق بسبب التدخل التركي في شؤون الحكومة المركزية في العراق وكانت تعمل على

تحريض القوى السنيّة فيها . اما على الصعيد المصري فقد علقت حكومة السيسي علاقاتها مع تركيا

بسبب دعم اردوغان للإخوان المسلمين في مصر , في حين ان العلاقات السياسية التركية الاسرائيلية

كانت متوترة منذ عام 2010 . التدخل الروسي العسكري في الساحة السورية عرقلت مسار القوى

الإمبريالية والامريكية فيها , ولاسيما حين ادركت خطورة دور تنظيم داعش في المنطقة تراجعت

في مسارها و سحبت دعمها لحكومة اردوغان .

بطبيعة الحال كانت لهذه السياسة ضريبة اقتصادية كبيرة . فقد نضب الدخل في اهم الاستثمارات

التركية على الصعيد السياحي و قطاع التشييد والبناء . فقد تراجع حجم الدخل السنوي في قطاع البناء

خلال السنوات الاخيرة بمعدل 30 مليار دولار امريكي. ايضا فقد كان الدخل السنوي في مجال

السياحة يتجاوز 30 مليار دولارا ويوظف مليون ونصف المليون من العاملين شهدت تركيا تراجعا

ملحوظا في الاستخدام البشري بنسبة 20 % . وعلاوة على ذلك , فقد انعكس التوتر في العلاقات

السياسية مع روسيا الى تضائل على الصعيد الاقتصادي وتراجع في حين كان الحجم التجاري

السنوي يتجاوز 30 مليار دولار (31,200000000 دولار في عام 2014). لقد كانت حكومة

اردوغان تعيش في ازمة سياسية واقتصادية حادة .

7

انطلق أحمد داوود أوغلو في كتابه “العمق الإستراتيجي” من اعتبار أن قيمة الدولة في العلاقات الدولية

تتحدد بشكل رئيسي من موقعها الجيوإستراتيجي، ومن عمقها التاريخي , غير ان خيبة امال اردوغان

ومحيطه البرجوازي في المشروع التوسعي دفعته الى تسريح داود اوغلو من منصبه كرئيس للوزراء

ليحل مكانه بن علي يلدرم الصديق الحميم لاردوغان .

انطلقت حكومة اردوغان في الاعتماد على مسار بن علي يلدرم لإنقاذ السياسة الخارجية من مأزق

الطريق المسدود الى اعادة العلاقات الودية مع اطراف متعددة . في الواقع فقد قام يلدرم باتخاذ خطوات

في هذا الاتجاه خلال المرحلة الاخيرة من مهامه , اذ تم التوقيع على اتفاق “اعادة قبول اللاجئين “وفقا

لمتطلبات الاتحاد الاوربي . ومع ذلك , لم يطرأ اي مستجدات على موقف الامبريالية الغربية و

الامريكية في الاعتماد على اردوغان بعد ان فقد مصداقيته فذهب الاخير الى تطبيع العلاقات مع

اسرائيل نافيا تصريح السابق ان ” اسرائيل دولة ارهابية ” و جاء بتصريح جديد اوضح من خلاله ” اننا

بحاجة الى بعضنا البعض لأجل اسرائيل ” . ايضا نفى تصريحا سابقا بشأن اسقاط الطائرة الروسية حين

افاد ” سنقوم بنفس العملية اذا لزم الامر ” وقام باتخاذ خطوات في اعادة العلاقات السياسية مع روسيا في

سياق رسالة اعتذار وجهها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين . وبناء على هذا المسار فقد قبل بأحد

شروط بوتين في “إشراك بشار الأسد في أي حكومة انتقالية في سورية , وراح لإجراء مفاوضات سرية

مع النظام السوري من خلال ايران , هذه المفاوضات ابرزت التماس التعاون في اطار النقاط الايرانية

الحساسة ضد الاكراد .

انطلاقا من اعادة العلاقات التركية الروسية الايرانية عمل اردوغان ومازال يعمل على استخدام هذه

العلاقة كورقة رابحة ضد الامبريالية الغربية والامريكية من ناحية ومن ناحية اخرى قام بإجراء تحالف

مع القوى القومية والاوراسية في قطاع القوات المسلحة والقطاع العام ضد جماعة غولن مستخدما هذه

المناورة لإجبار القوى الغربية والامبريالية للقبول به .

على خلفية التأزم في السياسة الخارجية قبل محاولة انقلاب 15 يوليو – تموز 2016 , بدأ اردوغان

بالعمل على استقطاب سياسي يهدف ” احلال النظام الرئاسي ” يعتمد على ديكتاتورية سلطة الفرد في

أجواء توترات واضطرابات في البلاد .

في الانتخابات البرلمانية التركية 7 يونيو _ حزيران 2015 وفضلا عن تصويت الاكراد فقد دعمت

القوى العاملة والديمقراطية حزب الشعوب الديمقراطي ليحقق فوزا ويتجاوز العتبة الانتخابية المحددة

بمعدل 10 % , وبهذه النتيجة خسر حزب العدالة والتنمية بالأغلبية في الحكم , في هذه الاثناء برزت

تفجيرات داعش الانتحارية في البلاد . كما تصاعد استئناف اردوغان في الحرب الشوفينية والقومية على

الاكراد , وفي ظل هذا الحرب والفوضى السياسية فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية

المتكررة في 1 نوفمبر _تشرين الثاني 2015 بالسلطة الوحيدة من جديد . في الواقع وعلى الرغم م ان

اردوغان لم يحرز على النصاب القانوني للنظام الرئاسي غير انه اعلن بان النظام قد تغير . في هذه

الفترة وعلى الرغم من النزاع الحاصل بين اردوغان ومنظمات كبار رجال الاعمال واصحاب رؤوس

الاموال الاتراك , غير انه اصدر اكبر مرسوما تعسفيا في تاريخ البلاد ضد الطبقة العاملة يقتضي

بإنشاء وكالات التوظيف الخاصة , حيث يتم من خلال هذه المكاتب استئجار العمال المؤقتين وبعبارة

اخرى استعباد العمال وتشغيلهم دون ضمانات اجتماعية وصحية ونقابية.

8

من اهم النتائج التي توخت عن هذا التوتر والصراع السياسي هي دعوة اردوغان لمحاربة الاكراد فتم

محاصرة المدن بالدبابات والمدافع وتم تدمير المدن الكردية مما عزز من موقعه وحقق له ضمانات

سياسية . وعلى الرغم من حملات اردوغان في التصفية الكبيرة لانصار الداعية غولن في اجهزة

الامن والقضاء ولكن كان هناك تغلغل هام لانصار غولن في صفوف الجيش . وهكذا فقد اعدّ اردوغان

في اغسطس _ حزيران 2016 قاعدة تمهد لتصفية انصار غولن والمتعاونين معهم خلال محاولة

الانقلاب في 15 يوليو _ تموز 2016 . وعقب قمع الانقلاب فقد تم اعتقال العديد من كبار الجنرالات

العاملين في قيادة المعارك في المدن الكردية بتهمة تورطهم و تخطيطهم للانقلاب .

في هذا السياق اتضح ان محاولة انقلاب 15 يوليو _ تموز كانت من داخل الجيش و لا تمت بصلة من

دعم و دوافع من فئات اخرى . وعلاوة على ذلك فان الغالبية العظمى من الشعب ونتيجة لتجارب مريرة

يدركون ان الانقلابات سيخلف ضغوطات سياسية ومصاعب اقتصادية , فرأينا ان الاستقطاب

الاردوغاني حقق له دعما من الاوساط القومية و الجماعات المحافظة في البلاد . وقد كان انتشار بعض

الفئات من الشعب في الشوارع حافزا وضمانا لإفشال الانقلاب بسرعة اكبر . ان مستوى ومدى دور

الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة الانقلاب قابل للجدل . ولكن من المؤكد ان امريكا كانت تتوقع

هذه المبادرة قبل وكالة الاستخبارات التركية ولكنها لم تقدم لاردوغان الدعم المطلوب . واليوم فان

حكومة اردوغان تطالب الادارة الامريكية بإعادة وتسليمها للداعية فتح الله غولن حسب زعمها ”

الاسم الاول و البارز ” في محاولة الانقلاب . من ناحيتها فان وسائل الاعلام الحليفة لحكومة اردوغان

توجه انتقادات لاذعة للولايات المتحدة والاتحاد الاوربي مدعية دعمها لمحاولة الانقلاب .

في هذا السياق عمل اردوغان على انشاء نسخة احتياطية رافضة لمحاولة الانقلاب و وجه دعوة الى

المواطنين للنزول الى الشوارع والساحات تحت اسم ” حراسة الديمقراطية ” . وحول حقيقة محاولة

الانقلاب التي نشئت نتيجة صراع بين زمرتين رجعيتين في البلاد ليعكس الصورة بشكل مخالف ويعلن

نفسه ” بطل الديمقراطية ” وانتهز الفرصة ليخلق جوا يوحي ان الاوساط التي لا تدعمه هي ايضا لا

تستطيع الدفاع عن الديمقراطية , مستغلا محاولة الانقلاب تلك في مساره لتحقيق اهدافه السياسية .

ورغم اتخاذ اردوغان خطوات مختلفة وصعبة بغية انشاء نظام ديكتاتوري قائم على التوترات

والصراعات السياسية , كانت محاولة الانقلاب ” هبة ربانية ” حفزته على استغلالها لتتحول الى

فرصة في بناء مثل هذا النظام . وفي ظل حالة الطوارئ فقد بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية _

اردوغان تحكم البلاد وفق المرسوم التشريعي الذي اعلنه مجلس الوزراء وبذلك حقق مكاسب عديدة بما

فيها اعادة هيكلة الدولة . خلال هذه الفترة فقد دعم حزب الحركة القومية الشوفينية سياسة اردوغان

بشكل مباشر , في حين كان الموقف السياسي لحزب الشعب الجمهوري المعارض ذو الطابع الاشتراكي

الديمقراطي موقفا غير متوازنا سهل من العمل السياسي لحكومة اردوغان . فقد ايدّ حزب الشعب

الجمهوري سياسة حكومة حزب العدالة فيما يسمى ” دعم الكفاح ضد الارهاب ” ولكنه في الواقع انجرّ

خلف السلطة التي هي مصدر سياسة الارهاب في الدولة , وبالتالي فقد ايدّ العديد من القوانين التي

سنتّها الحكومة ولاسيما استبعاد النواب البرلمانيين من حزب الشعوب الديمقراطي و قانون الغاء

الحصانة البرلمانية عن النواب . ولم يتوانى عن المشاركة في ” الوحدة الوطنية ” التي دعا لها اردوغان

. مشاركة حزب الشعب الجمهوري في هذه المبادرة المسماة ” حماية الديمقراطية ” كان نوعا من

التسليم كنسخة احتياطية لسياسة اردوغان . كان حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل الشعب الكردي

واحد من الاحزاب الاربعة في البرلمان. وعلى الرغم من اتخاذ هذا الحزب موقفا واضحا ازاء محاولة

9

الانقلاب في منصة البرلمان غير انهم تم استبعادهم واستهدافهم من قبل اردوغان ووصفهم ” بالحزب

الداعم للارهاب ” .

وعلى خلفية محاولة الانقلاب وفي ظل النضال ضد الانقلاب الذي جاء باسم حالة الطوارئ , فقد كانت

كل كلمة يتفوه بها اردوغان عبارة عن مرسوما يتم سنّها وتطبيقها مما مهدت الطريق في الانتقال الى

ديكتاتورية الرجل الواحد . في البداية اتخذت حالة الطوارئ لتصفية انصار غولن . ولكن فيما بعد شهد

البلاد تصفيات عشرات الالاف من انصار السلام والديمقراطية في مجال التعليم من معلمين

واكاديميين . وتم اغلاق العديد من الوسائل الاعلامية من الصحف و المجلات والقنوات التلفزيونية بما

فيها جريدة اوزغور غونديم التي لا تمت بأية صلة بالداعية غولن , وتمت اعتقالات تعسفية وسجن

موظفي قناة الحياة و ايفرنسال التي تمثل صوت العمال والكادحين , حتى انه القي القبض على العديد

من المثقفين والكتاب والصحفيين الذين كتبوا عن هذه الوسائل الاعلامية التي تعرضت للمداهمات

التعسفية .اما في المدن الكردية فقد تم استبعاد او عزل جميع رؤساء واعضاء المجالس المحلية المنتمين

لحزبي الشعوب الديمقراطي وحزب الحركة الوطنية الكردية (الكرديين)، وتعيين أوصياء وممثلين بدلا

عنهم .

استمرت حملات الاعتقالات ضد العمال والكادحين على خلفية حالة الطوارئ بسرعة فائقة. وتم عزل

اعداد ضخمة في القطاع العام ولا سيما من المعلمين اعضاء النقابات المرتبطة بجمعيات انصار

غولن . وشملت هذه الاعتقالات والعزل التعسفي الديمقراطيين التقدميين العاملين في اتحاد النقابات

للقطاع العام . وتم فرض الحظر على حقوق الشعب بالاحتجاجات بذريعة حالة الطوارئ . في سياق

حالة الطوارئ فقد تم تصفية نظام الضمان الاجتماعي للطبقة العاملة ليصدر نظام التأمين الخاص (

تأمين المعاشات الفردية ). وعلى الرغم من الاجور المنخفضة للملايين من العمال فقد تم سن قانون

خصم الزامي في الرواتب لتامين ضمانات المعاشات الفردية . ايضا تم اتخاذ خطوات تقضي لإلغاء

التوظيف الحكومي ليحل مكانه نظام العمل على اساس عقد مبرم . وفي الواقع فقد تم اقالة الالاف من

العمال والموظفين في القطاع العام قبل ان يتم الاعلان عن سن مرسوم هذا النظام الجديد .

هذه الحملة الشاملة على العمال والموظفين التي شنتها الحكومة التركية , وفي اطار برامج الحوافز

والدعم التشجيعي فقد اماطت السلطة اللثام عن الطابع الطبقي في مشاريعها الجديدة . وفي سياق الزعم

بارتباط بعض الشركات الكبيرة في علاقات مع الداعية غولن فقد تم مصادرة ممتلكاتهم وبدأت

الاستعدادات لاحتكارها فيما بين المقربين من الحكومة .

حكومة اردوغان _ حزب العدالة والتنمية استغلت فرصة محاولة الانقلاب للتفادي بالشريك السابق

الذي كان يخطط للإطاحة بسلطتها , ليعزز بذلك خطواته في خلق ديكتاتورية الرجل الواحد . ولكن على

الرغم من ذلك، فان حالة الفوضى مازالت سائرة ولاسيما في قطاع الجيش والقوات المسلحة . فعمليات

التصفيات مازالت مستمرة , والدولة مازالت تقوم بمبادرات اعادة هيكلية الدولة من جديد, ولكن مازالت

علاقات الثقة المتبادلة او الاعتماد على المكونات الجديدة اسئلة مطروحة لا تلقى جوابا في الوقت الراهن

. فانعدام الثقة والمصداقية في ظل نزاعات رجعية, والتصعيد في عوامل الضعف العام والتقلبات

الاقتصادية , وبسبب معارضة الطبقة العاملة لمصالح البرجوازية الرجعية _ ومهما كانت

الايديولوجيات مختلفة _ غير ان انه هناك الغالبية العظمى انجرت خلف اردوغان لأنه افشل محاولة

الانقلاب . وفي الواقع , فانه هناك فجوة عميقة لا يمكن تفاديها بين المصالح الموضوعية للعمال

10

والكادحين وبين اللاوعي , وبالتالي فان الايديولوجيات بين الجماهير الكادحة وبين الاوساط القومية او

المحافظة لن تتشكل فيها التوازن باستمرار دائما .

المثير ان روسيا وايران ايدتا حكومة اردوغان عقب محاولة 15 يوليو _ تموز بشكل ملحوظ . فعلاقة

اردوغان مع الادارة الامريكية والدول الغربية حين بدأت تسير في اطار التوترات استغلت روسيا هذه

الفرصة وطورت العلاقات مع حكومة حزب العدالة والتنمية على اساس ازالة العقبات التي يخلقها

اردوغان . علما ان روسيا تدرك جيدا انها لن تتمكن من كسر حقيقة الوجود التركي في المحور

الامريكي والغربي . العلاقات التجارية بين تركيا والاتحاد الاوربي فمعدل التجارة الخارجية السنوية

لتركيا والتي تبلغ ( 300 مليار دولار ) نصفها مبنية على التجارة مع الدول الغربية والتي تبلغ ( 140

_ 150 مليار دولار ) . كما هو الحال في الناحية العسكرية فإنها تعتمد إلى حد كبير على الولايات

المتحدة والناتو.

وبنفس الوقت فان حكومة اردوغان تستخدم علاقتها مع روسيا كورقة ضغط لإجبار الولايات المتحدة

الامريكية و الدول الغربية على اعادة علاقات التعاون معها. فالصراع على التقسيم العالمي الجديد ,

والتصعيد في هذا الاتجاه , اتخذ مسارا جديدا في خلق التوازنات ضمن اطار ظروف جديدة . وعلى

الرغم من استناد الطبقات الحاكمة في تركيا ظهرها للدول الإمبريالية غير انها وبنفس الوقت تظهر في

تناقض حاد بالاحتكاكات مع هذه الدول محاولة منها الفوز بمكانة لأطماعها ومصالحها . في الواقع لا

يمكن الاستهانة بالاتجاهات السائدة بين مختلف فئات الطبقة الحاكمة او الفرق السياسية مثل” النزعة

القومية ” او ” الميول الاوراسيوية ” او ” التوجه الامريكاني ” والتي ادت الى ابراز صورة متناقضة

في علاقاتها مع الدول الإمبريالية . ومحاولة انقلاب 15 يوليو _ تموز واحدة من هذه التناقضات . ففي

الوقت الراهن نشهد علاقة تحالف وطيدة بين حكومة حزب اردوغان / العدالة والتنمية والاوراسيويين

الارجنيكونيين . ولتحقيق الاستقرار والتوازن فقد دخلت في مناورات مع الدول الغربية ولاسيما

الولايات المتحدة الامريكية وروسيا .

لاشك ان من اهم النتائج التي انعكست بتأثير محاولة الانقلاب هو تبدل التحالفات التركية الدولية

والإقليمية في خلق استراتيجيات جديدة على المستوى الاقليمي. وبمباركة روسية بدأت تركيا بإجراء

عمليات عسكرية في الاراضي السورية لمكافحة الارهاب “داعش ” . فالعمليات العسكرية التي سميت

ب” درع الفرات ” ركزت القوات المعارضة بما تسمى ” المعارضة المعتدلة ” والتي لا تتميز عن

(عناصر داعش او الاذرع المشتقة من تنظيم القاعدة المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية

)في مدينة جرابلس الواقعة على الحدود السورية التركية لإنشاء منطقة عازلة . هذه المبادرة العسكرية

التركية منذ البداية كانت تسعى الى انشاء منطقة عازلة وتحويلها الى قاعدة للإطاحة بالنظام السوري .

ولكن الهدف الاساسي لسياسة الحكومة التركية في انشاء مشروع المنطقة العازلة تغير بسبب روسيا

, وبالتالي , برزت ظروف تفترض الابقاء على الاسد لحل الازمة السورية . على قدر ما يبدو في

العمليات العسكرية التركية على انها تهدف مكافحة تنظيم داعش غير انها في الاساس وكما يظهر في

اسم العملية , فإنها استهدفت توسيع نطاق نفوذها في أجزاء مختلفة من شمالي سوريا، خاصة لإعاقة

الاندماج ما بين كانتونيْ كوباني وعفرين الكردييْن . لان لجرا بلس أولوية استراتيجية لتركيا وهي

منع الأكراد من الربط بين ضفتيْ نهر الفرات ولذلك فهي تسعى لتفادي إنشاء الأكراد شريطا لهم على

طول الحدود السورية التركية والتي من شأنها توحيد حزب العمال الكردستاني مع مثيلتها حزب

الاتحاد الديمقراطي وبالتالي فان المشكلة الكردية ستشكل عقبات جمة امام السياسات الرجعية

11

الادوغانية . عملية درع الفرات لم تتحقق ابان العلاقات الحسنة مع الادارة الامريكية وانما تحققت اثناء

تحسن العلاقات مع روسيا .

في هذا السياق اعلنت الادارة الامريكية دعمها لعملية درع الفرات بغطاء جوي بغية الحد من التوتر في

العلاقات مع تركيا . وفي النهاية , وعلى الرغم من ان الاهداف الاساسية لتركيا في اجراء هذه العملية

العسكرية مختلفة , غير ان الاستيلاء على مناطق النفوذ لتنظيم داعش من قبل العصابات المدعومة من

تركيا و وكالة المخابرات المركزية امر مرغوب فيه من قبل الولايات المتحدة الامريكية .

في هذه الاثناء , راحت الادارة الامريكية للتعاون مع القوات المشتركة من حزب العمال الكردستاني

وقوات حزب الاتحاد الديمقراطي من ناحية , ومن ناحية اخرى , كانت تقوم بتقييم مواجهة بين وزارة

الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التي تدعم الميليشيات الكردية، وبين وكالة المخابرات المركزية (سي آي

إيه) التي تدعم الجيش السوري الحر في عملياته العسكرية بمدينة جرابلس بشكل من الاشكال في وسائل

الاعلام . وفي الواقع فانه لم يكن هناك اية مواجهات بين البنتاغون و ال ( سي آي أيه ) فعقب التدخل

العسكري التركي في سورية فقد ازداد اعتماد القوات الكردية على الادارة الامريكية وفي الوقت نفسه لم

يكن دخول تركيا للأراضي السورية يشكل تناقضا لأمريكا وانما كان ضروريا لأطماعه .

بلا شك لو كانت العملية العسكرية في سورية قد تم تطبيقها قبل الاتفاق الروسي _ التركي , لكانت

ستتلقى ردا من الدافعات سوخوي 300 _ سوخوي 400 في الاراضي السورية بيد ان نبرة السلطات

الروسية والايرانية ازاء هذا التدخل كانت على وتيرة منخفضة ولم تتجاوز سوى تحذيرات طفيفة . لأنه

وان كانت الحكومة التركية لا تبدي مواجهات مباشرة مع الاكراد خلال هذه العمليات الا انها كانت

تسعى الى اعاقة توحيد الكونتانات الكردية والحد من الخطر الكردي , وقبولها بالإبقاء على الاسد في

المرحلة الانتقالية تلقى مباركة الدولتين روسيا وايران . علاوة على ذلك باركت ايران وروسيا لهذه

العمليات التي من شأنها الحد من التعزيز في قوة الاكراد والقوى المتعاونة معه ولاسيما بعد ان

اعلنوا بإدارة الحكم الذاتي الديمقراطية في روجوفا في الشمال السوري في مارس _ اذار 2016

عقب التغاضي عن دعوة الاكراد بالمشاركة في اعمال مؤتمر جنيف الثالث. وفي اطار التدخل

العسكري التركي في الاراضي السورية فقد لعبت هذه العمليات لإعاقة المطالب الكردية بالفدرالية من

نظام الاسد والقوات المحالفة له في سياق ايجاد الحل السياسي للازمة السورية . وكما يبدو فان

النضال الكردي الاكثر تقدمية وديمقراطية في المنطقة لن يتخلى عن اهدافه في تحقيق مطالبه بسهولة ,

في هذا السياق فانه من المضلل ان نأمل استراتيجية مخالفة لسياسة الروس و الادارة الامريكية

المجبرتين في التعاون مع الاكراد . وفي النتيجة , فانه لا مفر لتركيا من اتخاذ الخطوات التي من شانها

ايجاد الحلول بعد توغلها في الساحة السورية . ولابد لإيجاد مخرجا ترضي الجانب الكردي للحد من

تعزيز قوتهم . وبالتالي فان جميع القوى تعقد الآمال بالبحث عن سبل للاتفاق .

في هذا السياق فان العمليات العسكرية التركية في جرابلس تهدف الى تأسيس قوة اقليمية متزايدة من

ناحية ومن ناحية اخرى تسعى الى تأكيد استجابات للأهداف السياسية الداخلية . فالانتصار الذي ستحققه

السلطة سيخلق لها قاعدة من القوة والتالي ستحرز شعبية شاسعة في البلاد ,و على سبيل المثال، فان

الحزب المعارض ” حزب الشعب الجمهوري ” الذي كان يندد بالتدخل في الشأن السوري بيد انه بدا

بتأييد سياسة اردوغان في العمليات العسكرية في جرابلس دعما منه لمشروع ” الوحدة الوطنية ”

وبذلك كانت الحكومة التركية قد شدت الحزب المعارض اتجاهها . لذلك , فان “الانتصار” و

12

“البطولات ” المتوقعة عقب هذه العمليات وظفّت العوامل التي تدعم سياسة اردوغان وتسهل له السبل

في بنائه لديكتاتورية نظام الرجل الواحد . وفي الواقع فان سعي اردوغان الى اقامة النظام الرئاسي

الديكتاتوري باتت اسهل عما كانت عليها الاوضاع فيما قبل 15 يوليو _ تموز . ومع ذلك , فان

هشاشة التحالفات في السبل المتبعة في تعزيز السياسة القائمة على الصراعات والحروب او التغيير

الجذري الواضح والطارئ على الاستقرار في جميع الاتجاهات الاقليمية , يشير الى ان اردوغان لا

يرغب في ازالة الظروف التي تحفزه الى اتخاذ خطوات جديدة ضد معارضيه .

من الواضح ان اردوغان يسعى الى جر البلاد لنظام ديكتاتوري ويعمل على وضع عقبات امام البلاد

والشعب للحيلولة دون تقرير المصير من بين الطبقات الحاكمة . بيد ان نجاح هذا النهج السياسي

يتوقف على سياق نضال الطبقة العاملة والكتلة الكادحة والقوى الداعمة للسلام والديمقراطية . ولذلك

فان المسؤولية العظمى تقع على عاتق الطبقة العاملة المناضلة ضد السياسات المعادية للعمل والعمال

وينبغي تعزيز نضال الكادحين وتوسيع النشاط العمالي , ومن جانب آخر ينبغي ارساء التضامن بين كافة

القوى الديمقراطية ضد العدوان الفاشي ودعم الفئات والقوى الديمقراطية في النضال ضد ادنى تأجيل

حزب العمل (تركيا)

SHARE